الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

247

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والقصر فاصل بينهما . والمقام : أصله محل القيام ومصدر ميمي للقيام وعلى الوجهين يستعمل مجازا في الحالة والتلبس كقولك لمن تستجيره : هذا مقام العائذ بك ، ويطلق على الشأن والعظمة ، فإضافة مَقامَ إلى رَبِّهِ هنا إن كانت على اعتبار المقام للخائف فهو بمعنى الحال ، وإضافته إلى رَبِّهِ تشبه إضافة المصدر إلى المفعول ، أي مقامه من ربه ، أي بين يديه . وإن كانت على اعتبار المقام للّه تعالى فهو بمعنى الشأن والعظمة . وإضافته كالإضافة إلى الفاعل ، ويحتمل الوجهين قوله تعالى : ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي في سورة إبراهيم [ 14 ] وقوله : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ في سورة النازعات [ 40 ] . وجملة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ معترضة بين الموصوف والصفة وهي تكرير لنظائرها . وذواتا : تثنية ذات ، والواو أصلية لأن أصل ذات : ذوة ، والألف التي بعد الواو إشباع للفتحة لازم للكلمة . وقيل : الألف أصلية وأن أصل ( ذات ) : ذوات فخففت في الإفراد وردّتها التثنية إلى أصلها وقد تقدم في قوله تعالى : وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ في سورة سبأ [ 16 ] . وأما الألف التي بعد التاء المثناة الفوقية فهي علامة رفع نائبة عن الضمة . والأفنان : جمع فنن بفتحتين ، وهو الغصن . والمقصود هنا : أفنان عظيمة كثيرة الإيراق والإثمار بقرينة أنّ الأفنان لا تخلو عنها الجنات فلا يحتاج إلى ذكر الأفنان لولا قصد ما في التنكير من التعظيم . وتثنية عَيْنانِ جار على نحو ما تقدم في تثنية جَنَّتانِ ، وكذلك تثنية ضميري فِيهِما وضمير تَجْرِيانِ تبع لتثنية معادهما في اللفظ . فإن كان الجنتان اثنتين لكل من خاف مقام ربه فلكل جنة منهما عين فهما عينان لكل من خاف مقام ربه ، وإن كان الجنتان جنسين فالتثنية مستعملة في إرادة الجمع ، أي عيون على عدد الجنات ، وكذلك إذا كان المراد من تثنية جَنَّتانِ الكثرة كما تثنيه عَيْنانِ للكثرة . وفصل بين الأفنان وبين ذكر الفاكهة بذكر العينين مع أن الفاكهة بالأفنان أنسب ، لأنه لما جرى ذكر الأفنان ، وهي من جمال منظر الجنة أعقب بما هو من محاسن الجنات وهو